الشيخ عبد الغني النابلسي
217
الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية
وسكن ذلك الريح وذلك العجاج الثائر ، وصار كأنّ الأمر لم يكن ، وهذه أيضا من الأمور الدالّة على تحقيق أنّ قبر موسى عليه السلام هناك نظير الأشباح التي تتراءى في القبّة ، وذلك من خصوصيات هذا المكان ، لا يوجد هذا عند قبر نبيّ غير موسى عليه السّلام ، لأجل ما ذكرناه من المعنى المتقدم ، وكأنّ الملائكة عليهم السّلام هم الذين يثيرون هذا العجاج والأرياح الشديدة في ذلك المكان ، كما أنّهم يتصورون في الصّور الجسمانية فتظهر خيالاتهم في تلك القبّة ، وإنّما يفعلون كلّ ذلك تصديقا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فيما أخبر به عن موسى عليه السلام ، واللّه أعلم بحقيقة الحال وإليه المرجع والمآل . وذكر الحنبلي في تاريخه في وفاة موسى عليه السّلام ما ملخّصه : ثمّ لمّا قرب أجل موسى عليه السلام قام خطيبا لبني إسرائيل ، فأنذرهم وخوّفهم وأشهدهم على أنفسهم بالإبلاغ وأمرهم بالطّاعة والتقوى واستخلف يوشع بن نون عليهم ، فلمّا فرغ من وصيّته أوحى اللّه إليه أني قابض روحك ، وذكّره بما أنعم عليه بالنبوة والرسالة والتكليم ، فاعترف بنعم اللّه وحمده وأثنى عليه ، ثم نزل عليه ملك الموت وهو جالس يتلو التوراة ، فسلّم عليه وقبض روحه الشريفة ، ثم ساق « 1 » حديث البخاري المتقدم ، ثمّ قال : وكانت وفاته بالتّيه في سابع آذار لمضي ألف وستمائة وست وعشرين سنة من الطوفان ، وكان موته بعد أخيه هارون بأحد عشر شهرا ، وقيل غير ذلك وكان أكبر منه بثلاث سنين ، وعاش موسى عليه السلام مائة وعشرين سنة ، وأنزل اللّه تعالى عليه جبريل عليه السّلام أربعمائة مرّة ، فيكون الماضي من وفاة موسى عليه السلام إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف ومائتين وثمانيا وأربعين سنة « 2 » ، ومات موسى عليه السّلام فلم يدر أحد من بني إسرائيل أين قبره ولا
--> ( 1 ) يعني الحنبلي . ( 2 ) توفي موسى عليه السّلام في حدود سنة 1250 ق . م فيكون بينه وبين ولادة عيسى 1250 عاما ، وبين ولادة رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم 1821 سنة ، وبينه وبين أواخر القرن التاسع الهجري زهاء 2770 سنة ، انظر الموسوعة الأمريكية 19 / 494 بقلم R . Patai مؤلف « الفكر اليهوديّ » ، وانظر تاريخ سوريّة لفيليب حتى 1 / 194 . الموسوعة الفلسطينية 2 / 390 .